مدونات مكت.
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله
هذه مشاركة وليست مشاكسة، بعيدة عن التأويل الإعلامي والقراءات النفسانية،مشاركة هدفها الحوار الحر الراقي والتقريب بين وجهات النظر،دون المساس بالشعور والإحساس.
وقفات
1ـ الزاوية والمجتمع:
بداية نشكركم على تقديركم لأبناء الأسرة القاسمية حيث وجهتم لهم هذا النداء الأكاديمي الراقي المستوى . كما نشكركم على الاهتمام والرثاء لحال زاوية لا خوف عليها في الحق طالما أن مؤسسها الشيخ محمد بن أبي القاسم-قدس الله سره- قد أسسها على التقوى من أول يوم، وذاك إكسيرها الرباني الذي يضمن لها البقاء إن لم يكن في القوالب ففي القلوب.
النداء رغم اكاديمته إلا انه يحمل تساؤلات تحتاج إلى وقفة وتوضيح أو وقفات وتوضيحات :
-أولها : كيف يستقيم طرح أكاديمي مع مضمون يحتاج إلى بساطة ويسر في الخطاب ؟ مع العلم أن المقصود هو إشراك العدد الأكبر من المجتمع في التفكير والاهتمام بالطرح!
-ثانيها : هل زاوية الأستاذ ولا نقول الزاوية القاسمية ،هل هي حالة منفردة في تدهورها أم أنها تدخل في إطار الظواهر الاجتماعية العامة حيث يشاركها في ذلك كثير من الزوايا والمؤسسات المشابهة ؟
ووفقا لما تمت الإشارة إليه في النداء من القوانين المتحكمة في الأمم والحضارات من جهة نموها وتطورها ثم اضمحلالها يطرح سؤال جوهري مفاده : إذا كانت الزاوية منذ تأسيسها إلى اليوم إنما هي تتقلب في أطوار النمو المعروفة لدى علماء الاجتماع من طور النشأة إلى الكهولة والشيخوخة ،فهل بمقدورها الانفكاك عن واحدة من هذه الحلقات التي هي سنة من سنن الخالق في كونه؟!أم في مقدورها السير في دورة تعاكس النواميس؟
من باب النقد الذاتي –مسايرة لمنهج النداء-نقول أننا واقعون في خطأ فكري كبير حيث أننا نتناول حديثنا عن الزاوية دوما من باب المباهاة أكثر من أي باب آخر، غافلين في ذلك عن حقائق عدة أهمها هذا التفاعل التلقائي الموجود بين الزاوية –أيا كانت- وبين المجتمع المحيط والمتصل بها .فكما هي تقدم خدماتها له، بالمقابل يقدم لها هو الآخر ماديا ومعنويا (وهو الأهم) ما يقوي جذورها ويمتن بناءها . فالاعتقاد السائد بان الزاوية هي محور وأساس الحركة في مجتمعها اعتقاد يفنده الواقع والدراسة الموضوعية .
وعلى هذا فانه يصح القول أن الزاوية ما هي إلا معيار من معايير المجتمع ومرآة من مراياه كما تنعكس فيها نجاحاته تنعكس فيها خيباته التي تتفاقم مع كل مشهد مترد متفسخ .والركود الذي تعانيه زوايا اليوم لا يعود بالدرجة الأولى إلى خللها الداخلي وحده بقدر ما يعود إلى هذه الفجوة والتباعد الذي حدث من الجانبين :الزاوية والمجتمع.
فالمقارنة بين الماضي والحاضر لا تدل –حصرا – على المكانة السامية التي تبوأتها الزوايا ذات يوم، بل تدل أيضا على الترابط القوي الذي جمع بينها وبين مجتمعاتها في ظل ظروف سياسية؛ اقتصادية؛ ثقافية؛ دافعة إلى ذلك مساعدة عليه.
واليوم وفي هذا العصر الطاغية ماديته بوحشيتها ماذا يمكن للزوايا أن تقدم؟
-هل بإمكانها تقديم نمطها التعليمي الأصيل نفسه وقد وقع التهافت على التعليم النظامي بل والإجبار عليه ؟وهل لها أن تكون جيلا من العلماء كما فعلت بالأمس وقد صارت إنما تستقبل أجيالا من الراسبين في منظومة تعليمية هزيلة أصلا؟
-وهل لمجتمع اليوم تقديم ما كان يقدمه في السابق –عبر الزوايا- من يد العون للأرامل والأيتام والمساكين وقد أضحت المعاشات والمنح حجة كل نفس متملصة من الخير منجذبة إلى طبعها المستثقل له؟.
-وهل للزوايا في هذا العصر –أيضا- الكثير جوره القليل عدله تنصيب نفسها دورا للقضاء تفصل في الخصومات مع فقدان الهيبة في النفوس وانعدام السلطان ؟بل هل لها هي أن تدفع الظلم عن نفسها وقد انتكست الصورة فصار أفراد المجتمع ينهبون منها ما كانوا بالأمس لها يهبون؟!
محاورها الأساسية هي ذي قد طغت عليها روح العصر وتغلبت عليها جاذبية المجتمع وسطوته..حاضر ليت الاعتزاز بماضيه كان يجديه فيحييه!
2 ـ الإصلاح ودور الكلمة فيه:
إن هاجس إعادة تشكيل التاريخ واستنساخ صوره المرغوبة هاجس سيطر وسيظل مسيطرا على نفسية الإنسان ممتزجا فيه الفكر مع الخيال .وقيم مثل العدل والرحمة والنصرة ستبقى دائما وأبدا أماني ينشدها الأفراد والجماعات كلما أحسوا ظلما وقهرا .
النداء القاسمي هل هذه مرجعيته؟ وهل هذا هو أساسه؟ إن كان الأمر كذلك فانه يجدر التنبيه على ضرورة الفصل بين الأمنيات وحقيقة الحال حيث تحجب الأماني رؤية الواقع كما هو .
والواقع لا يعني في كل الأحوال ضرا يجب دفعه أو فسادا يجب إصلاحه .فعالم النسبيات والممكنات عالم واسع المجال فسيحه يصعب ضبطه والجزم فيه بحكم فصل. بل انه حتى لو تم التأكد من حتمية التغيير الذي نسميه إصلاحا في الظاهرة الإنسانية والاجتماعية فان الأمر سيتوقف حينئذ على المصلح والمغير من سيكون ؟وهل باستطاعته وقد امتلك أوصاف المصلحين ،هل باستطاعته فعلا انتهاج السبيل الأصح والأسلم في إصلاحه المنشود ؟وهل له من الرؤية ما يخول له النجاة من مطبات التغيير المفسد أين يتم جلب مضرة اكبر وأعظم من المصلحة المرجوة ؟مأزق كهذا حتما لا يشفي القول فيه أن النية كانت طيبة خالصة !
من حسن الحظ أن النداء يعترف بصعوبة مهمة التغيير حيث تتشابك نفسية الفرد مع نفسية الجماعة في بوتقة بيئية مؤثرة .مهمة تستعين فيها المؤسسات المختصة بكل أنواع العلوم الإنسانية المرتبطة بالتغيير ، من علم النفس والاجتماع العام والثقافي الى علم الاتصال والاعلام..
فعلى افتراض أننا أمام ظاهرة ممكنة الإصلاح وليست مستحيلته، فهل هناك إمكانية استنباط واستيعاب أساسيات التغيير من تلك العلوم استيعابا مدعوما بالتجربة الميدانية المكسبة للخبرة والملكة التغييرية؟والكلام هنا عن التغيير إنما ينطبق على المجتمع في كليته وليس على الزاوية في انفرادها .والسؤال الذي يجدر أن يطرحه المرء على نفسه قبل طرحه على الآخر :
من الذي هو بحاجة إلى الإصلاح أولا :هل هي الزاوية قمة الهرم العائلي ؟
أم المجتمع وسطه؟أم الفرد قاعدته وأساسه؟
فالآية الكريمة (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) المستفتح بها النداء أليست من البلاغة المغنيةعن كل بيان ؟فتغيير الحال مرهون بالمشيئة الإلهية مقرون بناموس من نواميسها حيث يأتي التغيُر سلسا بعد تغيير أنفس الأفراد لنفسها مجاهدةً وتزكيةً ليتهيأ المجتمع بعد ذلك (حتى) مجتمعا منتظما معتدلا متماسكا بانتظام واعتدال وتماسك أنفس أفراده .
واضح هو القران الكريم في ترسيخه هذا المبدأ وضوحا الغاية منه عصمة العقول عن الزيغ الفكري الذي يدخلها في المهاترات والجدل ويبعدها عن الجهد والعمل .
عمل إن صدق من كل فرد نحو نفسه أثمر ذلك طبيعة بشرية جماعية متناغمة منسجمة تناغم وانسجام الطبيعة الكونية هكذا يكون الأمر وقد –تتوأمت-المشاعر والمبادئ والقيم في النفوس ناهلة من معين واحد (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) .فأي سبيل موحدة بين الناس كسبيل خالق الناس؟وأي توحد تضفيه الإرادة الإلهية على القلوب البشرية غير توحدها في الإحساس والإرادة مخلصة اذّاك التوجه إلى بارئها متخلصة من رذائل طبعها.
إن التوجه نحو إصلاح الذات أمر يأخذ من العمر أنفاسه ،عسير معه التفرغ لغيره وعسير هو لحمله بين جنباته عدوا حبيبا (النفس) مجبولا على تلبيس الصراع الحق الواجب معه إلى صراع مع الآخر في كل كفران بالإصلاح أو انسلاخ منه .
صراع يتخذ شرعيته بين الناس من مبدأ تعارض الحق مع الباطل ،تزعم فيه النفس المنضوية تحت لواء الحق بينها وبين نفسها أنها مطالبة ومجبرة على تأييد ونصرة حقها المضنون في الصورة عينها متدثرة هي بباطلها.
.. ويبدأ الصراع عنيفا أو لطيفا ؛المؤسف انه في غير حلبته ،ينتظر فيه كل طرف حسما لصالحه ويقوى الشعور بالنصرة أكثر عند صاحب الحق إلى حد اليقين باعتقاده أن الحق منصور بذاته لكونه حقا وكفى.مغالطة وهمية كبرى تخلط المفاهيم المركبة بالمجردة وتربك أصحاب الحق في محاولات انتصارية فاشلة ،محاولات لم تكن لتتكرر لولا ذلك الاعتقاد بنصرة الحق من ذاته وهي نصرة لا وجود لها في الواقع إلا بسلطان التأييد.
صراع تمني فيه النفس المكتفية بالحق وحده ،تمني نفسها بالكلمة ( حوارا وخطابا) سلطانا لنصرتها تلجأ إليها حكما بينها وبين خصمها، لجوءا مشوبا بتلبيسها فلا تمكنها الكلمة من سرها لتغدو الكلمات مفاتيحا في غير أقفالها ، عبثا ينظر فيها المستنصر بها موقفا مفروضا لقوة وقعها لا قوة موقع صاحبها وعبئا تحمله هي إن استصحبها الغضب تجرح الكرامة والإحساس اذاك حتما، مسكبة ظاهر الحق باطل باطن السلوك.
ليتها الكلمة كانت وحدها هي ما تصدع بها النفوس إلى الحق وليت أصحاب الحق كلهم يملكون زمام الوقع منها ،أليست مخاطبات القران الكريم للباطل وهي مخاطبات حق الحق، أليست تعطي الكلمة حقها في وجود كامل غير ممسوخ ليتسق فحوى الخطاب ونفس المخاطِب والمخاطِب، في صراط دقيق على المخاطب ميزانه الوقوف مع الكلمة في نفسها من غير تأخر عنها (فاصدع بما تؤمر) الحجر94 ولا تقدمٍِِ من نفسه عليها (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء) البقرة 272
.. كلمات قرآنية في صراطها ذلك تبعد عن نفس المخاطِب اندفاعها وهي تحت سطوة يقين الحق المتمثل فيها ،كما تمنع عن نفس المخاطَب انبعاث روح المكابرة منها وهي تحت وطأة الزيغ المهيمن عليها .
ولأنها كلمة الحق فان الحق لا يرضى لها إلا كمال التحقق به وكمال الاستعانة بالحق فيها لتستقيم خطابا تفقهه النفوس:
(قال رب اشرح لي صدري*ويسر لي امري*واحلل عقدة من لساني*يفقهوا قولي)طه/:24-28
ولان الحق وقعه شديد على النفس كان اللطف فيه عين كمال الكلمه منه:
(فبما رحمة من الله لنت لهم) ال عمران/159
…كلمات في جمعها بين قوة الحق ولطف الخطاب اسر للألباب وخضوع للأنفس فلا تملك حتى في إنكارها إلا اعترافا في استيقانها (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم).
عندما تستقيم الإرادة بصلاحها والرؤية بوضوحها مع الخطاب بصفائه يرجى للتفاهم محلا بين النفوس في توحدها وقد ألقت السمع شهيدة لبعضها ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) منعتقة من وهم برزخ افتراقها.
..ولأنها القلوب تمتلك بطبعها الإحساس بروح الخطاب تدركه صادقا جاذبا هو من كل قلب صفت سريرته حيالها كما تدركه باهتا منفرا هو من كل قلب متوجس منها مترفع عنها!
طريق غير هذا يستحيل الحوار فيه إلى عراك لفظي فكري ينفخه شعور بفرحة الصواب عند كل فريق.
3 ـ الشخصية القاسمية والانتماء:
النداء أشار إلى الانتماء وكذا استمداد الشخصية القاسمية كينونتها من الزاوية ،نقطتان أساسيتان تطرحان أيضا استفهاما وجيها :
فالانتماء إلى الزاوية لا يتحقق إلا بالانتماء إلى الشيخ المؤسس وهو انتماء ملاحظ عليه انه كنقطة الضوء تتضاءل وتتلاشى كلما باعدت حركة الزمن بينها وبين مصدرها.نعم كان للأولين هذا الانتماء من وهج الشيخ المبثوث في الرواية الشفوية القريبة العهد به ،مفعمة الإحساس قويته ،صادقة المعاينة فيه رواية َتمَثل فيها جوهر شخص الشيخ وسمو خلقه كحبة النوى تغرس في القلوب حبه الذي هو أساس كل الانتماء ( يحشر المرء مع من أحب) الحديث.
لكن الآن وقد بعدت الشقة وتكاثفت الحجب فقد صار السبيل إلى ذلك الحب سبيلا عسيرا تفتقر فيه الرواية إلى نبض الكلمة الطيبة المكنون فيها جوهر شخصه ،تلك الكلمة التي لا تملك معها القلوب إلا أن تكون منبت الزرع منها حيث تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
(الم تر كيف ضرب ربك مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ) إبراهيم 14
فأين هذا الحديث عن الشيخ الذي يتحقق فيه سر الإذن الإلهي فيكون روح لفظه المحيي لصورة الشيخ في النفوس كل حين ؟
وأين هذه النفس التي يمكن لها في غياب ذلك الحديث اختراق حجبها فتحسن التلقي من الشيخ نفسه وقد أحسنت أدب الاستماع في المجالسة خافضة لصوت خواطرها المانع لها من التنبه لموطن الحكمة في القول فالتمسك بها ؟
(يا أيها الذين امنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ) الحجرات 02
( يا يحيى خذ الكتاب بقوة) مريم 12
أين هذه النفس واينها من تلقي قول الشيخ عن نفسه :
وأنا بحمد الله محب لجميع الأمة المحمدية مشفق عليها أحب لها الخير ولا أرضى ضررا لأحد من أهل لا اله إلا الله من أهل القبلة كائن من كان بل في طبعي وسجيتي الشفقة على جميع خلق الله حتى البهائم من حيث أنها مخلوقة لله تعالى وقد خلق الله الجميع لحكمة لقوله صلى الله عليه وسلم الخلق عيال الله وأحبهم إليه انفعهم لعياله فدل الحديث بعمومه على طلب الإحسان لجميع أصناف العباد من المسلمين والنصارى واليهود حتى المشركين ككفار قريش الذين بالغوا في إيذائه صلى الله عليه وسلم حتى شجوا وجهه الشريف صلى الله عليه وسلم وكسروا
المزيد